الجدير بالذكر أن الجدري يُعتبر من أقدم الأمراض المعدية التي عرفها الإنسان، إذ حصد أرواح الملايين على مر آلاف السنين، وهو أيضا المرض الوحيد الذي استطاعت البشرية أن تقضي عليه بشكل نهائي.
يُسبب الجدري نوعان من الفيروسات: الأول فيروس الجدري الكبير، وهو الأكثر فتكا، حيث تتراوح نسبة الوفيات الناجمة عنه بين عشرين وأربعين بالمئة، وقد تصل إلى تسعين بالمئة في بعض الأوبئة العنيفة، والثاني فيروس الجدري الصغير، وهو أقل فتكا، إذ تتراوح نسبة الوفيات بين واحد وثلاثة بالمئة. يتميز المرض بعدة أعراض منها الحمى، والصداع، وآلام أسفل الظهر والأطراف، والتقيؤ، بالإضافة إلى ظهور طفح جلدي على الجلد والأغشية المخاطية. وبعد شفاء الطفح الجلدي، غالبًا ما تبقى ندوب مميزة تُعرف بآثار الجدري.
ينتشر فيروس الجدري عبر الهواء عن طريق السعال والعطاس والكلام، وكذلك عن طريق التلامس المباشر مع الأسطح الملوثة مثل الفراش والملابس. تتراوح فترة الحضانة في العادة بين ثمانية وأربعة عشر يوما، لكنها قد تمتد في بعض الحالات لتصل إلى تسعة عشر يوما. في الماضي، تسبب الجدري في وفاة نسبة كبيرة جدًا من المصابين؛ فعلى سبيل المثال، أودى بحياة ما بين ثلاثمئة وخمسمئة مليون شخص حول العالم خلال القرن العشرين فقط. وعلاوة على ذلك، عانى نصف المتعافين تقريبا من مشاكل في الرؤية، أدت في بعض الأحيان إلى فقدان البصر التام، كما تبقى في الغالب ندوب عديدة على الجلد في مواضع القرحات السابقة.
يُعتقد أن الجدري قد يكون السبب وراء وفاة العديد من حكام مصر القديمة خلال عصر الدولة الحديثة، الذي امتد بين القرنين السادس عشر والحادي عشر قبل الميلاد، ويتجلى ذلك من العلامات المميزة التي ظهرت على جلد بعض المومياوات.
في القرن السادس عشر، وصل الجدري إلى القارة الأمريكية قادما من أوروبا، حيث حصد أرواح ملايين من السكان الأصليين، ما أدى إلى انقراض بعض القبائل بأكملها هناك.
أثبت الطبيب والعالم الإنجليزي إدوارد جينر في عام 1796، أن الإصابة بجدري البقر، وهو فيروس مشابه للجدري لكنه أقل خطورة، تُكسب الجسم مناعة طبيعية ضد مرض الجدري.
انطلق البرنامج العالمي للقضاء على الجدري في عام 1958، حين اعتمدت الجمعية العامة لمنظمة الصحة العالمية قرارا بهذا الشأن بفضل مبادرة من الاتحاد السوفيتي.
سُجلت آخر حالة إصابة بالجدري في ظروف طبيعية عام 1977 في الصومال، وفي عام 1980، أعلنت جمعية الصحة العالمية في دورتها الثالثة والثلاثين رسميا القضاء التام على المرض.
من اللافت أن الاتحاد السوفيتي كان قد تمكن بحلول عام 1936 من القضاء بشكل كامل على الجدري داخل أراضيه، وذلك بفضل سياسة التطعيم الإلزامي وإعادة التطعيم المنتظمة.
يُشار إلى أن فيروس الجدري ما زال محفوظا عالميا في مختبرين اثنين فقط: الأول مركز مكافحة الفيروسات في نوفوسيبيرسك بروسيا، والثاني مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة الأمريكية.
من أبرز أوبئة الجدري في التاريخ، ذلك الوباء الذي تفشى في القرن الثامن الميلادي وأدى إلى وفاة ما يصل إلى ثلث سكان اليابان آنذاك. كما حصد وباء آخر أرواح خمسمئة ألف شخص بعد أن انتقل الفيروس من أسرى الحرب الفرنسيين إلى المدنيين في ألمانيا وأجزاء أخرى من أوروبا، وذلك في أعقاب الحرب الفرنسية البروسية التي دارت بين عامي 1870 و1875.
في فاشية ثالثة مدمرة، قتل وباء الجدري ما يقرب من أربعة ملايين وسبعمئة ألف شخص في الهند بين عامي 1868 و1907، في حين تم الإبلاغ بين عامي 1926 و1930 عن 979.738 حالة إصابة بالمرض، بمعدل وفيات بلغ 42.3 بالمئة.
أما آخر تفش لوباء الجدري الطبيعي فكان ساحته الصومال، حيث رُصدت الحالة الأخيرة في أكتوبر عام 1977، وبعد ذلك، في ديسمبر عام 1979، خلص العلماء إلى أن الجدري قد تم استئصاله بشكل تام من وجه الأرض.



