لكن المأساة الكبرى أن الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، تبدو اليوم وكأنها تدخل أخطر مراحلها الداخلية، ليس بسبب الاحتلال وحده، ولا بسبب التحولات الإقليمية والدولية فقط، بل بسبب ما أصاب بنيتها القيادية والتنظيمية من تفكك وإقصاء وشخصنة.
ومع انعقاد المؤتمر الثامن للحركة يبرز السؤال الأكثر إيلاماً داخل الشارع الفتحاوي نفسه: هل ما زلنا أمام حركة تحرر وطني تقود شعباً تحت الاحتلال، أم أمام مؤسسة مغلقة يجري استخدامها لإعادة إنتاج السلطة والنفوذ والتوريث السياسي؟
الحقيقة التي لا يريد كثيرون قولها علناً، أن الحركة بعد غياب القائد التاريخي ياسر عرفات دخلت مرحلة مختلفة تماماً، حيث فقدت التوازن الداخلي الذي كان يمنع احتكار القرار.
وكان القائد ياسر عرفات، بكل ما له وما عليه، يدرك طبيعة "فتح" ويعرف أنها لا تُقاد بالعقلية الإدارية الباردة، ولا بمنطق الموظفين، بل بروح الحركة الوطنية الجامعة، ولذلك بقيت الحركة في عهده ساحة مفتوحة للتنافس والخلاف السياسي والتنظيمي المنضبط، وكان القادة التاريخيون يتنافسون داخل مؤسساتها دون خوف من الإقصاء أو التصفية السياسية، أما في عهد محمود عباس، فقد بدأت فتح تتحول تدريجياً من حركة ثورية واسعة إلى بنية شديدة المركزية، يتحكم فيها رجل واحد، يقرر شكل القيادة، وحدود الصعود، ومن يبقى ومن يختفي، ومن يقترب من دائرة النفوذ ومن يتم إبعاده خارج المشهد التنظيمي والسياسي.
ولم يكن الأمر مجرد اختلاف في أسلوب القيادة، بل إعادة صياغة كاملة للحركة وفق معادلة الولاء لا الكفاءة، والطاعة لا التاريخ النضالي، والمصلحة لا القناعة التنظيمية.
وفي المؤتمر الخامس لـ "فتح"، ورغم كل ما شابه من تجاذبات، بقي هناك شيء يشبه الحياة الديمقراطية داخل الحركة، يومها تنافس القادة التاريخيون أمام القواعد التنظيمية، وكانت صناديق الاقتراع تحمل مفاجآت حقيقية، وكان ممكناً أن يخسر اسم كبير وأن يصعد آخر بفعل الحضور الشعبي والتنظيمي، أما اليوم، فإن كثيراً من أبناء "فتح" أنفسهم يشعرون أن المؤتمر الثامن جرى التحضير له باعتباره عملية هندسة سياسية كاملة النتائج سلفاً، بحيث يصبح المؤتمر أقرب إلى مهرجان ولاء منه إلى محطة مراجعة وطنية وتنظيمية حقيقية، أما الأخطر من كل ذلك، أن الحركة التي دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن فكرة التحرر والديمقراطية، تجد نفسها اليوم أمام مشهد توريث سياسي فاضح لا يختلف كثيراً عن التجارب العربية التي كانت "فتح" نفسها تنتقدها لعقود.
فما جرى ويجري من إعداد واضح لياسر عباس ليكون جزءاً من المشهد القيادي المستقبلي داخل الحركة، وربما لاحقاً داخل اللجنة المركزية، لا يُقرأ فلسطينياً باعتباره تطوراً طبيعياً، بل باعتباره محاولة لتكريس نفوذ العائلة داخل الحركة والسلطة معاً.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن القضية لم تعد مرتبطة فقط باسم ياسر عباس، بل بتحول الفكرة نفسها داخل "فتح" من حركة كانت تعتبر نفسها ملكاً للشعب الفلسطيني كله، إلى حالة يجري فيها خلط التنظيم بالعائلة، والنفوذ بالمصالح، والقرار الوطني بالحسابات الشخصية.
والمفارقة المؤلمة أن كثيراً من كوادر "فتح" الذين أمضوا أعمارهم في الدفاع عن الحركة، باتوا اليوم يشعرون أن ما يجري يشبه إلى حد بعيد نماذج التوريث التي عرفها العالم العربي، حين جرى التعامل مع الدولة وكأنها ملكية سياسية خاصة يجري تسليمها داخل العائلة الواحدة.
ولم يكن ممكناً الوصول إلى هذه المرحلة لولا إضعاف الحياة الداخلية للحركة بصورة ممنهجة خلال السنوات الماضية، حيث جرى تهميش قيادات تاريخية، وإقصاء شخصيات تمتلك حيثية تنظيمية مستقلة، وتحويل المال السياسي والامتيازات الوظيفية إلى أدوات لضبط الولاءات داخل الأطر التنظيمية.
وهكذا أصبحت "فتح" تعاني اليوم من أزمة عميقة في روحها الداخلية، لا في بنيتها التنظيمية فقط، فالخوف داخل الحركة أصبح أكبر من النقاش، والولاء الشخصي أصبح أكثر أهمية من الكفاءة، فيما تراجعت مكانة الفكر الوطني لصالح الحسابات الفردية ومراكز النفوذ.
وفي لحظة فلسطينية هي الأخطر منذ عقود، حيث تتعرض القضية الفلسطينية لمحاولات تصفية غير مسبوقة، ويصعد اليمين الإسرائيلي الأكثر تطرفاً وعنصرية في تاريخ إسرائيل، وتتمدد مشاريع الضم والاستيطان، تبدو "فتح" منشغلة بعملية توريث سياسي قد تجهز على بقايا حالة التعافي الوطني برمتها، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية !!!
ويبقى السؤال الذي يطارد أبناء الحركة قبل غيرهم: هل ما تزال "فتح" قادرة على العودة إلى روحها الأولى كحركة تحرر وطني حقيقية؟ أم أن الحركة التي صنعت تاريخ الفلسطينيين دخلت فعلاً مرحلة الشيخوخة السياسية التي تبدأ دائماً بإلغاء الديمقراطية وتنتهي بتحويل الثورة إلى إرث؟ !!



